
*الحكومة الإسلامية ودولة الخلافة
يرى الإخوان أن الخلافة الإسلامية قد سقطت بسقوط الدولة العثمانية التي كانت تمثلها وأن واجبهم إعادة هذه الخلافة من جديد وجمع المسلمين تحت رايتها كما يرون بأن الخطوة التي تسبق إقامة الخلافة هي إقامة الحكومة الإسلامية التي لم تعد قائمة في أي قطر عربي أو إسلامي، وقد يكون هذا الهدف هو المبرر الشرعي الوحيد الذي يرتكز عليه الإخوان في جواز إنشاء جماعتهم التي يعتبر إنشاؤها بالكيفية التي تمت بها خروجاً على الحاكم المسلم كونها تمارس العمل السياسي وتعمل بكل الوسائل على تغييره، وهذا يتنافى مع الرؤية العقائدية الإسلامية التي تؤمن بها والتي من أهمها طاعة ولي الأمر وتحريم الخروج عليه، وفي ظل هذا المأزق الفكري لم يكن أمامها من مخرج سوى الحكم على الحكومات القائمة بأنها غير إسلامية دون الدخول في تكفير حكامها وإعلان الحرب عليها وهكذا تعاملت الجماعة مع ملكية فاروق ودخلت في انتخاباتها البرلمانية، وتعامل الإخوان مع الملكية الأردنية وتعايشوا معها، وكما فعلوا أيضاً داخل المملكة السعودية.
في حين الإخوان في ظل الأنظمة الجمهورية سواء في عهد عبدالناصر في مصر أم في سوريا أم العراق دخلوا في معارك وصراعات مع تلك الأنظمة وبالتالي لم يكن لديهم مشكلة «شرعية العمل الإسلامي المنظم» خاصة بعد تبني بعض تلك الأنظمة واعتمادها على أحزاب اعتبرها الإخوان مناهضة للإسلام ولم يترددوا في تكفيرها.
*«أدبيات»
وفكرة إعادة الخلافة الإسلامية وقيام الحكومة الإسلامية في أدبيات الإخوان ليست فكرة غامضة، فقد طرحها الإمام حسن البناء بكل وضوح وصراحة حيث قال ذلك في أكثر من موضوع في رسائله المشهورة، فقال في رسالة:
1ـ «ولعل من تمام هذا البحث أن أعراض لموقف الإخوان المسلمين من الخلافة وما يتصل بها، وبيان ذلك: إن الإخوان يعتقدون أن الخلافة رمز الوحدة الإسلامية، ومظهر الإرتباط بين أمم الإسلام، وأنها شعيرة إسلامية يجب على المسلمين التفكير في أمرها والاهتمام بشأنها، والخلافة مناط كثير من الأحكام في دين الله ولهذا قدم الصحابة رضوان الله عليهم النظر في شأنها على النظر في تجهيز النبي صلى الله عليه وآله وسلم ودفنه.. إلخ والإخوان المسلمون لهذا يجعلون فكرة الخلافة والعمل لإعادتها في رأس مناهجهم، وهم مع هذا يعتقدون أن ذلك يحتاج إلى كثير من التمهيدات التي لا بد منها…»
2ـ «إن منهاج الإخوان المسلمين محدود المراحل واضح الخطوات فنحن نعلم تماماً ماذا نريد ونعرف الوسيلة إلى تحقيق هذه الإرادة:
2ـ نريد بعد ذلك البيت المسلم في تفكيره وعقيدته …إلخ.
3ـ ونريد الشعب المسلم.. إلخ.
4ـ ونريد بعد ذلك الحكومة المسلمة التي تقود الشعب إلى المسجد وتحمل به الناس على هدى الإسلام من بعد كما حملتهم على ذلك بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبي بكر وعمر من قبل.
ونحن لهذا لا نعترف بأي نظام حكومي لا يرتكز على أساس الإسلام ولا يُستمد منه، ولا نعترف بهذه الأحزاب السياسية ولا بهذه الأشكال التقليدية التي أرغمنا أهل الكفر وأعداء الإسلام على الحكم بها والعمل بها وسنعمل على إحياء نظام الحكم الإسلامي بكل مظاهره وتكوين الحكومة الإسلامية على أساس هذا النظام».
3ـ «يتساءل كثير من الناس هل في عزم الإخوان المسلمين أن يستخدموا القوة في تحقيق أغراضهم والوصول إلى غايتهم، وهل يفكر الإخوان المسلمون في إعداد ثورة عامة على النظام السياسي أو النظام الاجتماعي في مصر.. إن الإخوان المسلمين يستخدمون القوة العملية حيث لا يجدي غيرها، وحيث يثقون أنهم قد استكملوا عدة الإيمان والعدة والوحدة».
«ويتساءل فريق من الناس هل في منهاج الإخوان المسلمين أن يُكوِّنوا حكومة وأن يطالبوا بالحكم، وما وسيلتهم إلى ذلك؟» ، «الإخوان المسلمون يسيرون في جميع خطواتهم وآمالهم وأعمالهم على هدى الإسلام الحنيف كما فهموه، وهذا الإسلام الذي يؤمن به الإخوان المسلمون يجعل الحكومة ركناً من أركانه، ويعتمد على التنفيذ كما يعتمد على الإرشاد».
إلى أن يقول: «والحكم معدود في كتبنا الفقهية من العقائد الأصولية لا من الفقهيات والفروع فالإسلام حكم وتنفيذ، وقعود المصلحين الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمة إسلامية لا يكفرها إلا النهوض واستخلاص قوة التنفيذ من أيدي الذي لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف فالحكم في منهاجهم، وسيعملون لاستخلاصه من أيدي كل حكومة لا تنفذ أوامر الله».
4ـ ويخاطب الإخوان في رسالة تحت راية القرآن فيقول: «أين نحن من تعاليم الإسلام؟» ثم يقول لهم: «كونوا صرحاء وسترون الحقيقة واضحة أمامكم كل النظم التي تسيرون عليها في شئونكم الحيوية نظم تقليدية بحتة لا تتصل بالإسلام ولا تستمد منه، ولا تعتمد عليه ومنها نظام الحكم الداخلي ونظام العلاقات الدولية.. إلخ».
ويقول: «هذه مهمتنا نحن الإخوان المسلمين إجمالاً فأما في بعض تفاصيلها فهي أن يكون في مصر أولاً، بحكم أنها في المقدمة من دول الإسلام وشعوبه ثم في غيرها كذلك نظام داخلي للحكم يتحقق به قول الله تبارك وتعالى «وان احكم بينهم بما أنزل الله ولا وتتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله».
ويقول في موضع آخر: «لو كانت الحكومة إسلامية صحيحة، صادقة الإيمان، مستقلة التفكير والتنفيذ تعلم حق العلم عظمة الكنز الذي بين يديها، وجلال النظام الإسلامي الذي ورثته وتؤمن بأن فيه شفاء شعبها وهداية الناس جميعاً لكان لنا أن نطلب منها أن تدع الدنيا باسم الإسلام ولكن أنى لحكامنا هذا وهم جميعاً قد تربوا في احضان الأجانب، ودانوا بفكرتهم وعلى آثارهم يهرعون».
ويقول للإخوان: «اذكروا أن لكم هدفين أساسيين:
1ـ أن يتحرر الوطن الإسلامي من كل سلطان أجنبي.
2ـ أن تقوم في هذا الوطن الحر دولة إسلامية حرة تعمل بأحكام الإسلام وتطبق نظامه الاجتماعي وتعلن مبادئه القويمة تبلغ دعوته الحكيمة للناس، وما لم تقم هذه الدولة فإن المسلمين جميعاً آثمون مسئولون بين يدي الله العلي الكبير عن تقصيرهم في اقامتها وقعودهم عن إيجادها».
*«الشرعية»
ويعتقد الإخوان أن من موجبات قيام عمل إسلامي منظم «كالإخوان» وأهم مبرراته الشرعية عدم وجود حكومة إسلامية لأن إقامة حكومة إسلامية سيؤدي «لإيجاد الشخصية التي تمثل الإسلام عقيدة وأخلاقاً وإيجاد المجتمع الملتزم به فكراً وسلوكاً وإيجاد الدولة التي تطبقه شريعة ومنهاجاً ودستوراً» كما يوضح ذلك فتحي يكن مؤسس حركة الإخوان في لبنان في أحد كتبه المنهجية للإخوان «ماذا يعني إنتمائي للإسلام».
حيث يقول: «فإذا كان تحقيق المجتمع الإسلامي والحكم دائماً بما أنزل الله واجباً بذاته فيصبح العمل لإقامته وإيجاده واجباً حكماً بدليل القاعدة الشرعية «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب» إن معظم أقطارنا الإسلامية إن لم نقل كلها تحكم بأنظمة وضعية هي خليط من تشريعات رومانية، ويونانية، وفرنسية والنظم الاقتصادية السائدة في هذه الأقطار هي الرأسمالية والاشتراكية مما يجعل العمل لهدم هذه الكيانات الجاهلية واستئناف الحياة الإسلامية فريضة عين على كل مسلم حتى تعود للإسلام القيادة والقوامة ثم إن كثيراً من الواجبات الشرعية يتوقف تنفيذها وممارستها على إقامة خليفة أو إمام وهذا بالتالي مرتبط بوجود سلطة إسلاميةـ فكل التشريعات المتعلقة بالأنظمة الإسلامية الاجتماعية، والاقتصادية والسياسية والحرب والجهاد والصلح والمعاهدة، وبالمعاملات الاجتماعية والاقتصادية هذه وغيرها من جوانب التشريع الإسلامي لا يمكن تنفيذها إلا عن طريق دولة تقوم على أساس الإسلام».
*«مشروعية المشاركة»
وفي اليمن تعامل الإخوان مع الحكومات المتعاقبة في النظام الجمهوري بنفس تلك الرؤية وتلك المنطلقات، مستفيدين من تجارب الإخوان في الدول العربية وصراعاتهم مع الأنظمة السياسية فيها، ومنطلقين من الأجواء المناسبة التي توافقت وانسجمت مع حظهم السياسي والفكري وتزامنت مع نشأتهم التي كانت في أطوارها الأولى في نهاية الستينيات خاصة بعد حركة 5نوفمبر عام 1967 وما بعد السبعينيات.
وكانوا خلال السبعينيات والثمانينيات يعملون على إصلاح نظام الحكم حسب رؤيتهم الإسلامية، ويتعاونون مع الأنظمة السياسية بما يكفل لهم تحقيق أهدافهم وذلك من خلال أسلمة القوانين والتشريعات كخطوة أولى في قيام الحكم الإسلامي، وبتوسيع دائرة التأثير داخل المجتمع اليمني لفهمهم الإسلامي، وبتواجدهم داخل مؤسسات الدولة لنفس الأهداف وكانوا يحاولون في نفس الوقت استكمال عناصر القوة التي تمكنهم من إقامة الحكومة الإسلامية.
ولسنا هنا في حال تقييم نجاحهم في ذلك من عدمه أو تحديد نسبته، وإنما لتوضيح رؤيتهم الفكرية والعقائدية فيه، ونستطيع أن نضيف: إن الإخوان في اليمن في السبعينيات ربما واجهوا حالة سياسية ليس لها شبيه إلا حالة الإخوان في الأردن فلم يجدوا أنفسهم في حالة مواجهة مع الأنظمة السياسية بنفس الدرجة التي واجهت الإخوان في بلدان عربية أخرى، حتى بعد الوحدة كانوا مدعوين للمشاركة في التعددية السياسية والحزبية وبكامل الشفافية والعمل العلني، وهذا الوضع الأخير لم ينسجم مع كثير من خططهم المرحلية أو وسائلهم التربوية، أو طبيعة ثقافتهم الجهادية وكان عليهم التكيف في كل ذلك مع الوضع الجديد في ظل تخوفات وصراعات وتوجسات من المستقبل وإمكانية استمرار الهامش الديمقراطي التي تسير عليها البلاد من عدمه..
ثم وجدواـ في ظل العمل العلني، والتعددية السياسية والحزبية التي أوجدت آلية المشاركة في الحكم وكانت مصدر تخوفهم ـ الطريق أمامهم مفتوحاً للعمل السياسي وللإئتلاف مع أحزاب أخرى، والمشاركة في الحكم.
وقد كانت قضية المشاركة في الحكم من القضايا التي ثار حولها جدل واسع على مستوى قيادات ومفكري وعلماء الإخوان في العالم العربي والإسلامي خاصة بعد مشاركة نجم الدين أربكان في بداية السبعينيات في تركيا في الحكم وكان هناك فريقان أحدهما كان أكثر تحرراً وأجاز المشاركة في الأنظمة القائمة بالائتلاف مع أحزاب أخرى غير إسلامية، ووضع مبررات شرعية لتلك المشاركة، وفريق آخر إلتزم بالموقف السابق للحركة وحرم المشاركة أو الائتلاف.
وطرح مبرراته الشرعية، وقد نجح الفريق الأول في كسب وتأييد معظم الإخوان في العالم وأصبح جواز المشاركة في الحكم مع أحزاب أخرى الموقف شبه الرسمي للإخوان، وتم طرح مفهوم المشاركة في الحكم في أهم الكتب المنهجية التي كانت متداولة في أوساط الإخوان «أبجديات التصور الحركي للعمل الإسلامي» لمؤلفه فتحي يكن أبرز مفكري الإخوان وقياداتهم في لبنان حيث قال تحت عنوان مفهوم المشاركة: «يعترض بين الحين والآخر على «مطلب المشاركة المتوازن» الذي تتبناه وتطالب به الهيئات الإسلامية في لبنان ويقولون: إن ذلك يعني مشاركة غير المسلمين في الحكم، وهذا باطل شرعاً بدليل قوله تعالى: «لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين» وقوله: «إن الحكم إلا لله» وقوله: «وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله» وقوله: «ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون»، وفي آية: «الفاسقون»، وفي أخرى: «الظالمون».
والحقيقة إن هؤلاء المعترضين ـ إن حسنت نواياهم ـ لم يفرقوا بين مشاركة المسلمين ومشاركة الإسلام، فخلطوا بينهما، في حين أن لكل منهما أحوالاً ومقتضيات وبالتالي أحكاماً واجتهادات.. ولجلاء ذلك لا بد من استعراض النقاط التالية:
1ـ إن مطالب الإسلام، أن يحكم الإسلام من خلال منهجه وتشريعه دونما مشاركة لمنهج أو تشريع آخر «وان احكم بينهم بما أراك الله ولا تتبع أهواءهم».
إن هذا المطلب أمر اعتقادي بالنسبة للمسلمين لا يجوز التهاون فيه، أو تعديله أو تغييره، ولا بد لتحقيقه من تغيير كل الأسس والمرتكزات التي يقوم عليها المجتمع والدولة والنظام.
2ـ ليس مطلوباً من الإسلام ـ وبالتالي العاملين له ـ تلمس الحلول للمشكلات التي أفرزتها النظم الوضعية سواء كانت اجتماعية ام اقتصادية أم سياسية، لأن ذلك يعين هذه النظم ويساعدها على البقاء والاستمرار، في حين أن الإسلام حريص على تعرية هذه النظم لتتكشف حقيقتها، وتستبين مساوئها وتتضح معالم الخلل فيها، ليكون ذلك دليلاً على بطلانها وزيفها ومبرراً لنقضها وطرح الإسلام مكانها..
3ـ وكما أن الإسلام يريد كل ذلك، ولا يرضى بغير ذلك، فإنه ـ كذلك ـ لا يفرض على المسلمين أن يظلوا في أنظمة الكفر مظلومين مسحوقين إن استطا
















مدونة النويهي - سمير رشاد اليوسفي - 




